د. محمود_علي_بك - ليبيا
-[ تنبيه قبل القراءة ]-
هذا المقال ليس لمن يقرأ بعاطفته، ولا لمن يدخل كل نقاش بعقلٍ مغلق، ولا لمن يرى التاريخ من خلال الحب والكراهية وحدهما.
ليس للمتشنجين، ولا للحاقدين، ولا لمن يختزلون القضايا الكبرى في شعارات جاهزة، ولا لمن يظنون أن كثرة المعلومات تغني عن الفهم.
هو لمن يستطيع أن يختلف دون أن يتعصب، وأن يقرأ دون أن يبحث عن جملة يقتطعها ليصنع منها معركة، وأن ينظر إلى التاريخ بعينٍ أوسع من ذاكرته الشخصية.
فمن لا يحتمل الأسئلة الصعبة، ولا يفرّق بين النقد والتجني، وبين الإنصاف والتطبيل، وبين فهم التجربة وتبريرها...
فالأفضل له ألا يقرأ.
_________
ليست هذه محاولة للدفاع عن معمر القذافي، ولا هي دعوة إلى استعادة زمن مضى، كما أنها ليست محاكمة جديدة لرجل خرج من التاريخ، أو هكذا يفترض.
إنها محاولة لطرح سؤال أكبر من الرجل نفسه: لماذا تتكرر في التاريخ ظاهرة التخلص من أصحاب المشاريع الكبرى، أو المختلفين جذريًا مع السائد، بطريقة غالبًا ما تكون قاسية ومأساوية؟ ولماذا لا نعرف قيمة بعض التجارب إلا بعد سقوطها؟
منذ أزمنة بعيدة، لم يكن أصحاب الأفكار والمشروعات السياسية الكبرى بمنأى عن المصير نفسه. خلفاء وقادة ومصلحون ورجال دولة انتهوا قتلاً أو اغتيالاً أو نفيًا أو بانقلابات دامية. وكأن التاريخ، في كثير من مراحله، لم يكن رحيمًا بمن حاول أن يغيّر قواعد اللعبة.
وفي العصر الحديث، تتكرر الصورة بأشكال مختلفة.
في أفريقيا، كان كوامي نكروما نموذجًا لقائد حمل مشروعًا يتجاوز حدود بلاده، ثم انتهى حكمه بانقلاب. وفي آسيا وأمريكا اللاتينية، عرف التاريخ نماذج أخرى لقادة اصطدموا بمصالح داخلية وخارجية أكبر منهم. وفي العراق، انتهى صدام حسين إلى المشنقة بعد حرب واحتلال وسقوط دولة.
لكن السؤال الذي يظل حاضرًا: هل كل هؤلاء سقطوا لأنهم أخطأوا فقط؟ أم لأنهم اصطدموا أيضًا بمصالح وقوى لا تقبل مشروعًا سياسيًا خارج حدودها؟
ليس من السهل تقديم إجابة واحدة.
فالتاريخ أكثر تعقيدًا من نظرية المؤامرة، كما أنه أكثر تعقيدًا من الرواية التي تجعل كل حاكم ساقط مسؤولًا وحده عن نهايته.
وهنا نصل إلى ليبيا.
إلى الرجل الذي قادها.. اثنتين وأربعين سنة، وترك وراءه واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في التاريخ العربي الحديث: معمر القذافي.
يمكن أن تختلف معه كما تشاء، ويمكن أن ترفض نظامه السياسي، وأن تختلف مع أفكاره وممارساته، لكن من الصعب أن تنكر أن الرجل كان يحمل مشروعًا فكريًا وسياسيًا خاصًا به، وأنه أمضى عقودًا وهو يحاول فرض هذا المشروع على دولة ومجتمع لم يكونا دائمًا قادرين على فهمه أو التماهي معه.
كان يتحدث كثيرًا، ويشرح، ويحاضر، ويطرح نظرياته عن السلطة والمجتمع والدولة والاقتصاد والعالم.
ومع مرور السنوات، بدا أحيانًا وكأنه يعيش في عالم فكري خاص به، بينما يعيش الليبيون في عالم آخر.
هو في وادٍ... والليبيون في وادٍ آخر.
لكن المفارقة أن هذا الرجل نفسه، رغم كل ما يمكن أن يقال عن نظامه، ترك دولة كانت توفر قدرًا من الأمن والاستقرار، ومستوى من الخدمات والحياة الكريمة، ومشروعات وبنية أساسية ما زال الليبيون يقارنون بها واقعهم اليوم.
وهنا لا بد من قدر من الإنصاف.
نظام القذافي لم يكن ملائكيًا، ولم تكن ليبيا في عهده جنة على الأرض. كانت هناك أخطاء جسيمة، وممارسات سياسية وأمنية لا يمكن تبريرها، وكانت السلطة شديدة الارتباط بشخص واحد.
لكن هل يعني ذلك أن علينا أن نمحو كل ما تحقق في تلك المرحلة؟
وهل سقوط النظام يعني بالضرورة أن كل ما سبقه كان خطأ؟
وهل الشعوب مطالبة بأن تختار بين التقديس الكامل والرفض الكامل؟
ربما هنا تحديدًا تكمن مشكلة الذاكرة.
فالشعوب لا تتذكر التاريخ دائمًا كما حدث، وإنما كما تشعر به بعد أن يتغير الواقع.
واليوم، بعد سنوات طويلة من سقوط النظام، يجد كثير من الليبيين أنفسهم يتذكرون أشياء لم تكن تعني لهم الكثير في الماضي: الأمن، الكهرباء، توفر بعض الخدمات، انتظام الحياة، قيمة العملة، هيبة الدولة، وراحة البال.
وليس غريبًا أن يتحول الحنين، في بعض الأحيان، إلى ما يشبه الأسطورة.
حتى وصل الأمر عند البعض إلى الاعتقاد بأن القذافي لم يمت، وأنه سيعود يومًا ما، وكأن الرجل تحول من حاكم سابق إلى شخصية غيبية تنتظرها جماعات من الناس.
وهنا يصبح السؤال أكبر من القذافي نفسه:
هل نحن أمام شعب يحن إلى رجل، أم إلى دولة فقدها؟
وربما السؤال الأكثر إزعاجًا:
هل أخطأنا حين أسقطنا نظامًا لم نكن نملك تصورًا واضحًا لما سيأتي بعده؟
وهنا تظهر قضية الديمقراطية.
لماذا تفشل الديمقراطية أحيانًا في بعض المجتمعات، بينما تنجح في مجتمعات أخرى؟
هل المشكلة في الديمقراطية ذاتها؟
أم في محاولة استنساخ نموذج سياسي دون توفير مؤسسات الدولة، وسيادة القانون، والثقافة السياسية، والوعي المجتمعي الذي يحميها؟
وهل يمكن للدكتاتورية، في بعض مراحل بناء الدول، أن تصنع استقرارًا وتفرض النظام وتحقق قدرًا من التقدم؟
التاريخ يقدم نماذج يمكن أن تدفعنا إلى التفكير في ذلك.
لكن التاريخ نفسه يقدم تحذيرًا آخر: الدولة التي تُبنى حول رجل واحد قد تكون قوية بوجوده، لكنها تصبح شديدة الهشاشة عند غيابه.
وهذا ربما كان أحد أكبر دروس التجربة الليبية.
لم تكن المشكلة فقط في القذافي، ولا يمكن اختزال كل ما حدث في ليبيا بعد 2011 في شخصه.
المشكلة الأعمق أن الدولة نفسها لم تكن قد بُنيت على مؤسسات تستطيع أن تستمر بعيدًا عن الرجل.
وحين سقط الرجل، لم يسقط نظامه فقط؛ سقط معه جزء كبير من التوازن الذي كانت الدولة تقوم عليه.
أما السؤال الذي لا يزال يلاحقنا:
من قتل القذافي؟
فالإجابة لا ينبغي أن تختصر في جملة واحدة.
قتلته حرب، وصراع داخلي، وتدخل دولي، وانهيار لنظام استمر أكثر من أربعة عقود، وتداخلت في نهايته إرادات كثيرة.
لكن ربما السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: من قتله؟
بل:
لماذا كان إسقاطه أسهل من بناء ليبيا التي كان الليبيون يحلمون بها بعده؟
لقد رحل القذافي، لكن الجدل حوله لم يرحل.
وبدل أن تنتهي تجربته بموته، بدأت مرحلة أخرى من حياته في الذاكرة الليبية.
هناك من يراه دكتاتورًا لا يستحق سوى الإدانة، وهناك من يراه رجل دولة ظلمته الصورة التي صنعت عنه، وهناك من يراه صاحب مشروع لم يفهمه عصره، وهناك من يراه مسؤولًا عن أخطاء تاريخية لا يمكن تجاوزها.
وربما تكون الحقيقة، كما يحدث غالبًا في التاريخ، أكثر تعقيدًا من كل هذه الصور.
فليس القذافي ملاكًا، وليس شيطانًا.
وليس مطلوبًا منا أن نعبده، كما أنه ليس مطلوبًا منا أن نمحو أربعة عقود من تاريخ ليبيا وكأنها لم تكن.
المطلوب فقط أن نقرأ تلك المرحلة بعقل بارد.
أن نسأل: ماذا فعل الرجل بليبيا؟
وماذا فعلت ليبيا بالرجل؟
وماذا فعل بنا إسقاطه؟
وماذا كان يمكن أن يحدث لو انتهى نظامه بطريقة أخرى؟
ثم السؤال الأهم:
هل كانت مشكلتنا مع القذافي وحده، أم أن مشكلتنا الحقيقية كانت، وما زالت، مع عجزنا عن بناء دولة تستطيع أن تعيش بعد القذافي؟
ربما لهذا السبب ما زال الرجل حاضرًا بعد خمسة عشر عامًا من رحيله.
ليس لأنه سيعود.
وإنما لأن الأسئلة التي تركها وراءه لم تجد إجاباتها بعد.
وهنا فقط، ربما، نستطيع أن نفهم لماذا لا تزال صورة القذافي معلقة في ذاكرة الليبيين، بين من يلعنه، ومن يترحم عليه، ومن ينتظره، ومن يختلف حوله...
وبين هؤلاء جميعًا، تبقى ليبيا هي السؤال الذي لم يجد جوابه بعد.
وربما لهذا السبب سيظل القذافي، شئنا أم أبينا، عصيًّا على الفهم الكامل؛ شخصية لا تستسلم بسهولة لتفسير واحد، ولا يمكن اختزالها في صورة الدكتاتور أو الثائر أو المفكر أو رجل الدولة وحدها.
سيظل لغزًا من ألغاز التاريخ الليبي الحديث؛ لغزًا كلما ظننا أننا اقتربنا من فكّه، اكتشفنا أن وراءه سؤالًا آخر.
فبعض الشخصيات لا تتكرر مرتين؛ تأتي مرة واحدة، ثم يمضي الزمن طويلًا وهو يبحث عمّن يشبهها فلا يجد.
وقد نختلف حول القذافي، ونختلف في الحكم عليه، بل ونختلف حتى في تفسير ما فعله وما أراده؛ لكننا، شئنا أم أبينا، لن نستطيع أن نمحو أثره من ذاكرة ليبيا.
فبعض الرجال ينتهون حين يموتون...
وبعضهم تبدأ حكايتهم الحقيقية بعد الموت.
ولعل القذافي، حتى الآن، من أولئك الذين لم تُكتب كلمتهم الأخيرة بعد.
وربما كان هذا هو اللغز كله:
أن يكون الرجل قد رحل، بينما ظلت الأسئلة التي صنعها حيّة.
فهل قتلنا الرجل فقط؟
أم قتلنا معه مشروعًا لم نفهمه؟
أم أن المشروع نفسه كان يحمل، منذ البداية، بذور نهايته؟
قد تختلف الإجابات...
لكن القذافي سيظل، في كل الأحوال، ذلك الاستثناء الذي لا يتكرر إلا مرة واحدة؛ الحاضر في غيابه، والغامض كلما ظننا أننا فهمناه، واللغز الذي ربما لا يريد التاريخ أن يمنحنا مفتاحه كاملًا.
وهكذا، بعد كل ما قيل وسيقال، تبقى ليبيا هي السؤال الأكبر...
لا القذافي وحده.
منقول—-
